الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
101
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
الفرد ولا وسيلة للتكامل ، ولا يوجب الثواب كما هو الحال في خلق النحل خلقا يدفعها بحكم الغريزة إلى أن تجمع الرحيق من الأزهار . . . وخلق بعوضة الملاريا خلقا يجعلها تستقر في المستنقعات ، ولا يمكن لأي منهما أن تتخلى عن طريقتها . إلا أن قيمة الإنسان وامتيازه وأهم ما يتفاوت فيه عن سائر الموجودات هي هذه الموهبة ، وهي حرية الإرادة والاختيار ، وكذلك امتلاك الأذواق والأطباع والأفكار المتفاوتة التي يصنع كل واحد منها قسما من المجتمع ويؤمن بعدا من أبعاده . ومن طرف آخر فإن الاختلاف في انتخاب العقيدة والمذهب أمر طبيعي مترتب على حرية الإرادة ويكون سببا لأن تقبل جماعة طريق الحق وتتبع جماعة أخرى الباطل ، إلا أن يتربى الناس تربية سليمة في أحضان الرحمة الإلهية ويتعلموا المعارف الحقة بالاستفادة من مواهب الله تعالى لهم . . . ففي هذه الحال ، ومع جميع ما لديهم من اختلافات ، ومع الاحتفاظ بالحرية والاختيار ، فإنهم سيخطون خطوات في طريق الحق وإن كانوا يتفاوتون في هذا المسير . ولهذا يقول القرآن الكريم في الآية الأخرى : إلا من رحم ربك ولكن هذه الرحمة الإلهية ليست خاصة بجماعة معينة ، فالجميع يستطيعون " شريطة رغبتهم " أن يستفيدوا منها ( ولذلك خلقهم ) . الاشخاص الذين يريدون أن يستظلوا برحمة الله فإن الطريق مفتوح لهم . . . الرحمة التي أفاضها الله لجميع عباده عن طريق تشخيص العقل وهداية الأنبياء . ومتى ما استفادوا من هذه الرحمة والموهبة ، فإن أبواب الجنة والسعادة الدائمة تفتح بوجوههم ، وإلا : فلا : وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين . * * *